الأغلبية لحزب الاستقلال رغم أن الانتخابات حولها بعض منعدمي الضمير من المرشحين إلى فوضى وسوق لشراء الذمم وتوزيع المال و الوعود، فئة عريضة من الشعب حولتها بعض الهيئات إلى جردان تجارب انتخابية
كلما اقترب موعد الاقتراع، كلما اتسعت مساحة الوعود والنفاق والكذب حتى صار المغرب في الخطاب الانتخابي أقرب إلى دولة الأحلام منه إلى دولة المعقول والأرقام والميزانيات. الأرقام التي ذكرتها بنعبد الله تحدث عن 7500 درهم للعاطلين، ولقجع عن طموح بلوغ المرتبة السادسة عالمياً في التعليم والصحة، فيما أعلن حزب الأحرار عن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم.
يبدو أن بعض أمناء الأحزاب المغربية قرروا، في موسم الانتخابات، أن يكتشفوا فجأة أن الشعب المغربي يعيش في كوكب آخر، وأن الناخب لا يحتاج إلى برنامج انتخابي بقدر ما يحتاج إلى جرعة من الكذب والنفاق و الأحلام الانتخابية المعلبة. فما إن اقترب موعد الاقتراع صباح يوم الاربعاء حتى انطلقت مزايدة الوعود، واحد يرفع السقف إلى 7500 درهم شهرياً للعاطلين، وآخر يريد أن يقذف بالتعليم المغربي إلى المرتبة السادسة عالمياً، وثالث يلوّح بـ5000 درهم كحد أدنى للسميگ… وكأن خزينة الدولة تحولت إلى ماكينة صراف آلي، لا ينقصها إلا أن يضع المواطن بطاقته الانتخابية في الفتحة، ثم يختار المبلغ الذي يشاء، نبيل بنعبد الله أعلن، ضمن برنامج حزبه، عن مقترح يهم العاطلين يصل إلى 7500 درهم شهرياً. وفوزي لقجع تحدث عن طموح بلوغ المغرب المرتبة السادسة عالمياً في التعليم والصحة. ببنسليمان صرح بأن مبارة كاس العالم 2030 ستلعب بملعب الحسن الثاني بلنسليمان كأن ما يهم ساكنة بنسليمان هو كرة القدم..!!! أما حزب التجمع الوطني للأحرار فقد جعل رفع الحد الأدنى للأجور إلى رقم خيالي وهو أبرز وعود اخنوش الانتخابية. ولأن المزاد الانتخابي لا يعترف بسقف، أصبح السؤال مشروعاً، هل نحن أمام برامج سياسية قابلة للحساب والتنفيذ، أم أمام موسم جديد من بيع الأحلام بالتقسيط..؟ المشكلة ليست في أن يحلم السياسي بمغرب أفضل فذلك واجبه أصلاً. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحلم إلى رقم انتخابي يلقى على مسامع المواطن من دون أن يشرح له صاحب الوعد كم سيكلف..؟ من أين ستأتي موارده..؟ ما هو الجدول الزمني لتنفيذه..؟ وما هي المؤشرات التي ستسمح للناخب بمحاسبة صاحبه إذا تحول الوعد بعد الانتخابات إلى مجرد دخان انتخابي..؟ أما حكاية المرتبة السادسة عالمياً في التعليم، فهي وحدها تحتاج إلى درس افتتاحي في مادة الحساب السياسي، قبل أن نتحدث عن المركز السادس، نحتاج أولاً إلى أن نعرف ما هو المؤشر المعتمد..؟ ومن هي الدول التي سننافسها..؟ وما هي الإصلاحات والميزانية والمدة الزمنية اللازمة للوصول..؟ وبالمناسبة، لا أحد يمنع السياسي من أن يرفع سقف الطموح، لكن الفرق كبير بين الطموح السياسي والوعود التي تُرمى في الهواء ثم يُطلب من المواطن أن يصفق لها قبل أن يعرف فاتورتها. والأكثر إثارة للسخرية أن بعض السياسيين يتعاملون مع الناخب وكأنه يملك ذاكرة سمكة، يقال له اليوم 5000، وغداً 7500، وبعد غد ربما 10 آلاف، وفي نهاية الحملة قد نصل إلى راتب شهري يجعل المواطن المغربي أغنى من مواطن لوكسمبورغ… الهدف هو الصراع ومعارك الزعماء بين ضفرين حول من سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك، ومن سيمنع هذا الشخص من الوصول إلى وزارة معينة، ومن يملك مفاتيح الحكومة المقبلة. وقد تداولت وسائل إعلام تصريحات منسوبة إلى رشيد الطالبي العلمي بشأن مستقبل فوزي لقجع الحكومي، وهو ما يجعل المعركة الانتخابية في بعض لحظاتها تبدو وكأنها تقاسم مبكر للجلد قبل اصطياد الدب. هنا بالضبط ينبغي أن يتوقف الناخب قليلاً، وأن يسأل المرشح السؤال الذي يبدو بسيطاً لكنه أكثر إزعاجاً من ألف مهرجان انتخابي، ماذا فعلتم بما وعدتم به بالأمس..؟ فالسياسة ليست مسابقة في من يرفع الرقم أكثر، وليست سوقاً للمزايدات، وليست عملية بيع «عجل» انتخابي للناخبين على أساس أن اللحم سيصلهم بعد ظهور النتائج..! والأخطر أن هذه الثقافة لا تتوقف عند الوعود. فحين يصبح شراء التزكيات، واستقطاب أصحاب المال، وتقديم المرشح نفسه باعتباره مشروعاً مضموناً للنجاح جزءاً من المشهد، فإننا نكون أمام اختزال السياسة كلها في صفقة: الحزب يريد الأصوات، والمرشح يريد المقعد، والناخب يُستدعى إلى المسرح لكي يصفق. لكن الشعب ليس ساذجاً بالضرورة، حتى وإن حاول بعض محترفي السياسة معاملته كذلك. لقد تغير المغرب، وتغير المواطن، وتغيرت وسائل الوصول إلى المعلومة. وأصبح الناخب قادراً على العودة إلى تسجيلات وتصريحات ووعود الأمس، ووضعها بجانب تصريحات اليوم، ثم طرح السؤال الأكثر قسوة، أين هي الوعود القديمة..؟ ومن سيدفع ثمن الوعود الجديدة..؟ فالانتخابات ليست مزاداً لمن يدفع أكثر من الوعود، وإنما امتحان للسياسي في المصداقية، وقابلية البرنامج للتنفيذ، والقدرة على تقديم حساب واضح للناخب. أما أن يتحول كل تجمع انتخابي إلى «دلالة» جديدة، خمسة آلاف هنا، وسبعة آلاف وخمسمائة هناك، والمرتبة السادسة عالمياً في الجهة الأخرى… فهذه ليست سياسة تنموية، بل تكاد تصبح بورصة انتخابية مفتوحة، والسهم فيها هو عقل الناخب.! والسؤال الذي ينبغي أن يطارد كل أمناء الأحزاب، قبل أن يطاردوا أصوات المواطنين، هو هل تملكون برامج حقيقية… أم تملكون فقط خيالاً واسعاً في موسم الانتخابات..؟