لم يكن بلوغ المداخيل الضريبية عتبة 342 مليار درهم مع نهاية سنة 2025 مجرد نتيجة ظرفية أو انعكاس آلي لتحسن المؤشرات الاقتصادية، بقدر ما يعكس بالأساس حسن تدبير الإدارة الجبائية، ويقظة مدرائها، وفعالية آليات التحصيل والمراقبة التي جرى تفعيلها على امتداد السنة المالية. فوفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، سجلت الموارد الجبائية تحسنًا لافتًا بنسبة 14,7 في المائة مقارنة بسنة 2024، مع معدل إنجاز فاق التوقعات وبلغ 106,9 في المائة، وهو ما يؤشر على دقة البرمجة المالية وقدرة المصالح الضريبية على تنزيل مقتضيات قانون المالية بمرونة وصرامة في آن واحد.
ويبرز أداء الضريبة على الشركات كأحد المؤشرات القوية على نجاعة هذا التدبير، حيث تجاوز معدل الإنجاز 125 في المائة، مسجلا ارتفاعًا يفوق 20 مليار درهم. هذا الأداء لم يكن ليتحقق لولا تحسين آليات التسوية، وتكثيف التتبع، وتعزيز التنسيق بين المديرات الجهوية والإدارة المركزية، ما مكن من بلوغ مستويات قياسية في تحصيل تكملة التسوية والأقساط. أما على مستوى الضريبة على الدخل، فقد ساهمت مقاربة التحفيز والامتثال الطوعي التي اعتمدتها الإدارة الضريبية، إلى جانب تطوير آليات الاقتطاع من المنبع، في رفع المداخيل بأزيد من 5,6 مليار درهم، وهو ما يعكس تحولًا في فلسفة التدبير من منطق الزجر إلى منطق النجاعة والامتثال المسؤول.
وفي ما يخص الضريبة على القيمة المضافة، فإن الارتفاع المسجل سواء عند الاستيراد أو بالداخل يؤكد قدرة الإدارة على مواكبة الحركية الاقتصادية، وضبط مسارات التحصيل، والحد من التسربات الجبائية، رغم الإكراهات المرتبطة بالمبالغ المستردة وتوازنات الخزينة.
كما سجلت الضرائب الداخلية على الاستهلاك أداءً قويًا، مدعومًا بتفعيل مقتضيات قانون مالية 2025، خصوصًا ما يتعلق بمراجعة الإعفاءات ورفع الحصص، وهو ما يعكس حسن تنزيل النصوص القانونية وتحويلها إلى موارد فعلية دون ارتباك أو تأخير.
وبخصوص الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والتنبر، فإن النتائج المحققة تؤكد بدورها تطور أدوات التتبع والتقدير، وارتفاع مستوى التنسيق بين الإدارات المالية، في انسجام مع المعايير الدولية المعتمدة في إحصاءات المالية العمومية.
في المحصلة، تكشف هذه الأرقام عن أكثر من مجرد تحسن مالي؛ إنها تعكس إدارة ضريبية أكثر مهنية، يقودها مدراء وأطر أكفاء وخبراء راكموا تجربة ميدانية طويلة، وأداروا مرحلة دقيقة بقدر عالٍ من الحنكة، مع احترام التوازن بين متطلبات التحصيل وضمان الحقوق الجبائية للملزمين.








