كنت مثل كثيرين، ممن قرؤوا خبر “الإقامة والتجهيز الخيالي”، وانسقت لحظة أولى وراء رواية غير مؤكدة، و نشرت متسائلا كصحفي هل أصبح السكن الوظيفي غير لائق بالمقام…؟ غير أن ما كشفته التحريات اللاحقة كان صادمًا؛ إذ تبيّن لي أن الرجل تعرّض لحملة افتراء فجّة، تجاوزت حدود التأويل إلى اختلاق الوقائع، حيث رُوّج، أنه يخطط لشراء الفيلا من مالكتها، وأنه اقتنى ثلاث هكتارات، وأن عمال الإنعاش يشتغلون في تشييد قصر له وغيرها من الأكاذيب التي لا تستند إلى أي أساس. هنا لم نعد أمام خبر قابل للنقاش، بل أمام كذب صريح يروج له ويُسوَّق كحقيقة.

افتتاحية فبراير
انخرطت العديد من الصحف ومعها بعض المواقع الإلكترونية، في الأيام الأخيرة، في سباق محموم لإعادة نشر ما تداولته منابر أخرى بخصوص مقر إقامة السيد عامل إقليم بنسليمان، دون أن يكلف أغلبها نفسه عناء طرح السؤال الجوهري هل السكن الوظيفي أصلاً صالح للإقامة.؟
سؤال غاب عن النقاش، رغم أن معطيات ميدانية تؤكد أن رطوبة المكان ووضعه التقني لا تسمح لأي مسؤول، أو غيره، بالاستقرار داخله، وهو ما تجاهله من اختاروا منطق النسخ واللصق بدل منطق التحري والتدقيق. الأخطر من ذلك، أن بعض المنابر ذهبت بعيدًا في الحديث عن كراء فيلا وتجهيزها بملايين الدراهم، دون نشر فواتير، أو تحديد الجهة التي فازت بالصفقة، وهي معطيات يلفها الغموض وتحيط بها علامات استفهام كثيرة، تمامًا كما هو الشأن بالنسبة للادعاءات المرتبطة بترخيص محل لبيع الخمر، وهي أخبار عارية من الصحة، إذ تؤكد مصادر مطلعة أن عشرات الطلبات ما تزال مركونة في رفوف المصلحة المختصة، دون أن يصدر أي ترخيص من هذا النوع.
لكن، وكما يقول المثل الشعبي: “ملي كطيح البقرة كيكتارو الجناوا”.
وفي خضم هذا التهويل، يتم القفز على حقيقة أساسية: أن السيد العامل لا يتحمل مسؤولية الوضع المزري الذي يعيشه الإقليم، ولا يمكن تحميله تركة سنوات من التدبير الفاشل، بل إن ملاحظاته وانتقاداته كانت، بالأساس، موجهة إلى المنتخبين الذين وعدوا ولم يفوا بالوعود التي قدموها للساكنة.
أما التساؤل المتكرر حول سبب عدم خروج مؤسسة العامل لنفي ما نُشر أو الرد على الاتهامات، فهو سؤال مشروع، غير أن الجواب أبسط مما يُروّج له. السكوت أحيانًا حكمة، وليس كل صمت إدانة، ولا كل امتناع عن الرد علامة رضى. حين يصمت المسؤول تتكلم الحقائق
انخراط أعمى في حملة تشهير ممنهجة استهدفت السيد حسن بوكوتة عامل إقليم بنسليمان، دون وثيقة، دون دليل. فبدل البحث عن الحقيقة، اختار البعض الطريق الأسهل إعادة تدوير الإشاعة وتضخيمها، وكأن الرجل أصبح شماعة تُعلّق عليها أعطاب الإقليم المتراكمة منذ سنوات
طويلة؛ الأدهى من كل هذا، أكرر هو ان البعض يحاول تحميل العامل مسؤولية وضع مزرٍ لم يصنعه، وتراكم اختلالات لم يكن طرفًا فيها، في حين أن الرجل واجه الواقع بجرأة، ووجّه انتقاداته للمنتخبين الذين قرروا ولم ينجزوا، ووعدوا الساكنة ثم خذلوها. أما الصمت الذي اختارته مؤسسة العامل، أكرر ليس هروبًا ولا اعترافًا ضمنيًا، بل موقف مسؤول يرفض النزول إلى مستوى المهاترات، لأن الدولة لا تحاكم عبر العناوين الصفراء، ولا ترد على الإشاعة بالإشاعة. هذه ليست قضية إقامة، ولا فيلا، ولا تراخيص وهمية هذه محاولة مكشوفة لضرب ممثل السلطة الترابية لأنه فتح ملفات مسكوتًا عنها، ورفض أن يكون شاهد زور على فشل تدبيري مزمن. ومن يراهن على تشويه صورة العامل، إنما يراهن على تضليل الرأي العام، لكن الحقيقة، مهما حوصرت، لا تُهزم.








